الشيخ محمد رشيد رضا
161
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه من فضله ، أي العرب . فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل وقد كانت ظهرت تباشير الملك العظيم فيهم عند نزول هذه الآيات فإنها مدنية متأخرة وكانت شوكة المسلمين قد قويت فالآية مبشرة لهم بالملك الذي يتبع النبوة والحكمة ، والحاصل أن حال اليهود يومئذ كان لا يعدو هذه الأمور الثلاثة : إما غرور خادع يظنون معه ان فضل اللّه محصور فيهم ، ورحمته تضيق عن غير شعب إسرائيل من خلقه ، واما حسبان ان ملك الكون في أيديهم فهم لا يسمحون لاحد بشيء منه ولو حقيرا كالنقير ، وإما حسد العرب على ما أعطاهم اللّه من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادي عظمته . اه ما قاله في الدرس وليس عندنا عنه في ذلك غيره وأقول فسروا الحسد بأنه تمني زوال النعمة عن صاحبها المستحق لها ولم يرد ذكره في القرآن الا في هذه الآية وفي قوله من سورة البقرة ( 2 : 108 وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) وفي سورة الفلق ، وأهل الكتاب في آية البقرة هم اليهود فهو لم يسند الحسد إلى غيرهم لأنهم وقد سلب منهم الملك يتمنون عودته إليهم وقد كبر عليهم ان تسبقهم العرب إلى ذلك ولم يكن النصارى يومئذ يحسدون المسلمين لأنهم متمتعون بملك واسع ولا مشركو العرب لأنهم ما كانوا يظنون أن النبوة التي قام بها واحد منهم حق ولا أنها تستتبع ملكا فان من ظهر له حقية الدعوة صار مسلما واما اليهود فإنه لم يؤمن ممن ظهرت لهم حقية دعوة الاسلام الا نفر قليل ومنع الحسد باقي الرؤساء ان يؤمنوا وتبعهم العامة تقليدا لهم ، وقلما يمنع الناس من اتباع الحق بعد ظهوره لهم مثل الحسد والكبر فالحسود يؤثر هلاك نفسه على انقيادها لمن يحسده لان الحسد يفسد الطباع . وفي التفسير المأثور ان المراد بالناس هنا النبي ( ص ) ولا شك انهم حسدوه وحسدوا قومه العرب لأنه منهم وهم اسبق إلى الخير الذي جاء به